اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

299

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

أسرة عربية عريقة ، فقد دخل أسلافه الأندلس في القرن الثامن 230 مع القائد المشهور بلج بن بشر ابن عياض القشيري ؛ وكان اسم ابن جبير من الأسماء المحببة إلى أسرته فقد حمله الكثيرون قبله 231 . وموطن الأسرة على ما يبدو كان بلنسية Valencia ، وقد ولد ابن جبير عام 540 ه - 1135 والتحق مبكرا بأعمال الدواوين والكتابة كأبيه 232 وعمل مدة طويلة كاتبا لحاكم غرناطة من الموحدين ، ولم يلبث أن كسب الشهرة ككاتب وشاعر وله ديوان شعر متعدد الرواية ولكن المعروف عنه قصائد متفرقة ؛ كما ترك لنا أيضا رسائل نثرية كسبت بعض الشهرة 233 . ولم يكن بوسعه أن يشتهر في الدوائر العلمية الأوربية على أساس هذا ، أي قبل التعرف على رحلته التي ضمنت له مكانة مرموقة في الأدب الجغرافي . - - وفي سن مبكرة توجه إلى الحج فغادر عرناطة في رفقة أحد الأطباء وذلك في فبراير من عام 578 ه - 1183 . وخط سير رحلته معروف لنا جيدا بفضل الإشارات الدقيقة والتواريخ المحددة 234 ، فقد مر بسبتة وسار بمحاذاة سواحل سردينيا وصقلية حتى دخل ميناء الإسكندرية ، ومنها ركب النيل إلى القاهرة . ثم غادرها إلى صعيد مصر فوصل إلى مرفأ عيذاب وهو المرفأ المعهود للحجاج على البحر الأحمر . ونزل بجدة وأخذ قافلة إلى مكة حيث أقام هناك حوالي نصف عام ؛ ثم مر بالمدينة في طريقه إلى الكوفة وزار بغداد وسامرا فالموصل فحلب ومنها إلى دمشق التي أمضى بها بضعة أشهر قبل أن يغادر الأراضي الإسلامية فقد كانت سواحل الشام آنذاك في قبضة الصليبيين . ومن ميناء عكا أخذ ابن جبير سفينة مسيحية فنزل بصقلية وذلك بعد رحلة طويلة حافلة بالمشاق - - لم تخل من كوارث هددت السفينة . وفي هذه المرة استطاع أن يتعرف على الجزيرة عن كثب ، وفي أبريل من عام 581 ه - 1185 وصل إلى غرناطة بعد غيبة دامت أكثر من عامين . ومن الجلى أن انطباعاته عن المشرق كانت قوية جدا وانعكست في قصيدة له طويلة يشيد فيها بصلاح الدين الأيوبي الذي تعلقت به آنذاك أنظار المسلمين ؛ ولم يمض وقت طويل فإذا بابن جبير لدى سماعه باستيلاء صلاح الدين على بيت المقدس ( 583 ه - 1187 ) يخرج في رحلة ثانية تستغرق عامين ( 585 ه - 587 ه - 1189 - 1191 ) ، ولكن لم تحفظ لنا تفاصيل عنها . كذلك نعرف القليل عن الأعوام الأخيرة من حياته ؛ وقد قام برحلة ثالثة إلى المشرق وهو شيخ كبير قد أحزنته وفاة زوجه في عام 601 ه - 1204 235 ، ولم يرجع إلى الأندلس مرة أخرى بل أمضى أكثر من عشرة أعوام متنقلا بين مكة وبيت المقدس والقاهرة مشتغلا بالتدريس والأدب إلى أن وافته المنية بالإسكندرية في عام 614 ه - 1217 . ورحلته الأولى فقط هي التي ترك لنا وصفها على هيئة يوميات في كتاب منفرد وضعه بعد رجوعه حوالي عام 581 ه - 1185 . وعنوانه غير معروف لنا بالضبط ، ويوجد له عنوانان تغلب عليهما الصنعة هما « كتاب اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك » ، و « تذكير بالأخبار عن اتفاقات الآثار » ، ولكن كلاهما منحول على ما يظهر 236 . ويمكن القول بأن العنوان ربما كان بكل بساطة « رحلة